د.أحمد موفق زيدان يكتب : لماذا تستميت واشنطن وغيرها لحرمان السوريين من المناطق الآمنة؟!

0

ظل الثابت الوحيد في السياسة الأميركية ومن وراءها على مدى خمس سنوات من المذبحة الشامية المستمرة هو حرمان السوريين من ملاذات ومناطق آمنة يستظلون بها من كافة أشكال القصف الإجرامي الكوني، روسياً كان أو أميركيا أو إيرانيا، أو حثالات طائفية محمية بقرارات دولية، وما كان لهذه الحثالات أن تتجرأ بأن تدخل بهذا الشكل الرهيب إلى الشام لولا هذا الغطاء الدولي الموفر لها.

لقد طالب الشعب السوري، وهو الذي يعرف أي عصابة تحكمه، منذ عقود بالحظر الجوي منذ اليوم الأول للثورة، وطالب معها بمناطق آمنة، وسعت تركيا وغيرها من الدول الصديقة إلى إقناع العالم كله بفرض هذه المناطق الآمنة، لكن ما سمي زورا وبهتانا بالعالم كان أصم أبكم عن كل هذه المناشدات التي دعته إلى فرض مناطق آمنة لحماية أرواح السوريين التي تزهق على مدى أربع وعشرين ساعة لسبعة أيام أسبوعيا وثلاثين يوما شهريا وعلى مدار السنة كاملة، دون أن يرف لما سمي بالعالم جفنا وهو يرى ويشاهد الأجساد الغضة للأطفال السوريين تشوى تحت لهيب القذائف الروسية والإيرانية وغيرهما.

لا شك أن ثمة أسبابا رئيسة تدفع أميركا إلى هذه الحرمان، ولعل على رأس تلك الأسباب الاستراتيجية الأميركية والمتوافقة مع الروسية والإيرانية والتي كشف عنها أبرز المستشرقين الإسرائيليين والمعروف إيال زيسر عن اتفاق ثلاثي لهؤلاء من أجل التغيير الديمغرافي المستهدف للسنة في الهلال الخصيب، الذي يقوم به عصابات المالكي والعبادي في العراق وعصابات الأسد ومعه عصابات الطائفيين مدعومين بغطاء دولي عسكري وسياسي روسي وأميركي في الشام.
أما السبب الثاني فعنوانه الإصرار الأميركي المستمر منذ سنوات الذي يدعو المعارضة السورية إلى التفاوض والدبلوماسية مع العصابة الطائفية، ومشددة بالوقت نفسه على أن لا حل عسكريا للوضع في سوريا، وهو يستبطن قضية خطيرة أن السلام والأمن والاستقرار هو في مناطق العصابة الطائفية فقط، أما مناطق ما سواها فمحرمة عليها، وبالتالي توفير هذا الأمن والاستقرار وحالة اللاقصف والحرب في مناطق الثوار غير مقبولة وغير مرحب بها من قبل واشنطن كون ذلك سيمنح المعارضة ثقة بنفسها وقوة بشعبها وثوارها، وسيبدأ بعدها تشكيل جهاز إداري وبيروقراطي ينافس جهاز العصابة في المناطق المحتلة، مما يرتب على العالم ودول الجوار أن تعترف به، ويوفر ندية واضحة بين قوى الثورة وقوى العصابة الطائفية، وبالتالي يحرم ذلك كله أميركا وروسيا وإيران من الخطة الاستراتيجية البعيدة المدى القاضية والرامية إلى تهجير واقتلاع أهل السنة.

السبب الثالث فهو أن العصابة الطائفية دائما ما تظهر نفسها أمام وسائل الإعلام الغربية وزوارها التشبيحيين الدوليين الذين يزورونها على أن مناطقها آمنة مستقرة، مما يرسم صورة سلام واستقرار في العالم الغربي للعصابة الطائفية وسدنتها بينما تقدم وتسوق المعارضة ومناطقها على أنها فوضى وقتل ودمار وخراب، دون أن يتطرق أحد إلى المسؤول عن ذلك والمتسبب به، ومثل هذا الاستقرار الوهمي في مناطق العصابة الطائفية يوفر لها مردودا ماليا كبيرا من المغتربين السوريين الذين يقومون بتحويل أموالهم إليها، أو يقومون بزيارتها بشكل دوري، ليعودوا ويرسموا صورة سلمية لها فينقلونها لمن وراءهم، فيحصل الطائفيون بذلك على الدعاية المجانية.

بيد أنه وعلى الرغم من كل هذه الجرائم الدولية الموثقة التي سيأتي اليوم الذي ينال كل ذي حقه حقه، إلا أن الشعب السوري ماض في مسيرته بمقارعة الطائفيين والمحتلين من ورائهم، ومصر معه أيضا على العيش بكرامة إذ لا تزال وفود اللاجئين والمهاجرين تتدفق عائدة من تركيا والأردن إلى سوريا وهي تصر على بناء سوريا الغد، وتصر معها على العيش بكرامة ولو كان تحت قصف الصواريخ.
لا بد للمعارضة السورية أن تضع على رأس أولوياتها إن أرادت كسب موطئ قدم لها في الشام فرض المناطق الآمنة، وأن تصر بأسنانها وأظافرها وبكل ما تملك على هذه المناطق الآمنة فهي أكبر ورقة ليس بوجه الطائفيين فحسب، وإنما بوجه من وراءهم أيضا.

اترك ردًا